
لقاء مع الشاعرة والإعلامية جمانة حداد
جمانة حداد: لا أحبّ الشعارات الكبيرة في القصيدة
أصدرت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد مؤخرا ديوانها الشعري الرابع “عودة ليليت”، عادت فيه الى شخصية اسطورية للمرأة الأولى، وقد سعت الى “إضاءة نموذج آخر للمرأة، مضاد لحواء”- حسب تعبيرها- وهو نموذج “المرأة الأولى، الأصلية، الحقيقية، الحرّة، المتمرّدة، المستقلة، التي لم ترجع لكي تنقذ العالم، بل لتزيده خرابا ومتعة، والتي تقسم النساء بين منتميات اليها وغريبات عنها” حسب تعبير الشاعرة حداد.
“الرأي” حاورت الشاعرة حول ديوانها الجديد وقضايا الشعر والشعرية العربية.
حاورها حسين جلعاد
(جريدة الرأي الأردنية- 18/1/2005)
- في ديوانكِ الأخير “عودة ليليت” ثمة عودة إلى الأسطورة وتأكيد على صورة أخرى المرأة: هل هي محاولة لابتداع ندّ تاريخي ومعرفيّ للرجل؟ ام ثمة إتباع لألم المرأة التاريخي؟
غالبا ما يُفهم كلامي، في “عودة ليليت” خصوصاً، ولكن ايضا في كلّ خطابي الشعري العالي النبرة عموماً، على أنه ثورة على الرجل وانقلاب ضده. لكنّ الحقيقة هي أن الرجل ليس عدوي، لا في الشعر ولا في الحياة، ولا أعتبر علاقتي به حربا، بل أراه ندّي وشريكي. لا هو يريد إخضاعي، ولا أنا أرغب في السيطرة عليه، وانني ارفض تحويله جلادا ظالما وتحويل المرأة ضحية متألمة. هذا بعض ما أردت التعبير عنه في “عودة ليليت” إذ أقول: “أنا المرأة التمرّد لا المرأة النعم، شريكة آدم في الخلق لا ضلع الخضوع”. أنا أتحدى السلطة، أو على الأصح التسلّط، كل تسلّط، وليس تسلّط الرجل فحسب. ثم إنني متمردة على نفسي في الدرجة الأولى، أي على كل تسامح أو تخاذل أو مساومة قد أقع في فخّها. ومتمردة على الآخر ثانيا، على كل آخر يحاول قمعي أو سجني أو تحديدي. أنا لم “أبتدع” الندّ، لم أخترعه من العدم، فهذا الند، أي ليليت، موجود منذ الأزل، وجلّ ما فعلته هو أني سلطت النور عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أردتُ كذلك من خلال المجموعة أن أضيء على نموذج آخر للمرأة، مضاد لحواء، هو نموذج المرأة الأولى، الأصلية، الحقيقية، الحرّة، المتمردة، المستقلة، التي لم ترجع لكي تنقذ العالم، بل لتزيده خرابا ومتعة، والتي تقسم النساء بين منتميات اليها وغريبات عنها. فما حواء سوى “المحاولة الثانية”- غير الموفقّة- لنموذج المرأة، وليليت تمثّل التحرر من تلك الحواء المسطّحة، المرّة، الفارغة، وتمثل ايضا الخلاص من “وعد الخلاص” المزعوم، أي أنها الهلاك بمعناه الجميل، السامي، المشتهى. ليليت لا تنتظر أن يتم اختيارها: تبادر، ولا تنتظر أن تُعطى: تأخذ. إنها الجنس المنشود، الشريك، المتمرد على منطق المساواة الكاذبة بين الجنسين. هي، مثلما أقول في مبتدأ الكتاب، “ما ينقص الرجل كي لا يندم وما ينقص المرأة كي تكون”.
- قدم الروائي الطاهر بن جلون ديوان «عودة ليليت»: أليس في الأمر مفارقة أن الشعراء الشباب ما زالوا يبحثون عن آباء ليقدموا تجاربهم؟ خصوصا أن بن جلون ليس شاعرا أساسا؟
بداية يجب أن أوضح ان الطاهر بن جلون لم يقدّم الديوان، بل قدمني أنا في حفل توقيع المجموعة في بيروت، وهو حفل كان قائما على قراءات ممسرحة من “عودة ليليت” برؤية المسرحي جواد الأسدي وتنفيذ الفنانة جاهدة وهبة. ثم ليس صحيحا أن الطاهر بن جلون ليس شاعرا أساسا، فهو بدأ كشاعر ولديه مجموعات شعرية عديدة، وإن كانت شهرته تجلّت كروائي. لا بل هو شاعر خصوصا، وروحه الشعرية حاضرة في كل رواياته. أما ردا على سؤالكَ، فأقول إن خروج كتابٍ الى النور لا يحتاج سوى إلى اكتمال تكوينه على يد أب أو أم، كاتب أو كاتبة، يحتضاننه ويسهران عليه طويلا وعميقا، ثم يفلتان له العنان في الوقت المناسب لكي يصير ملك الآخرين. الكتاب ليس في حاجة الى أي عامل خارجي لينجح، فأسباب نجاحه يجب أن تكون موجودة فيه أو لن تكون ابدا. ولكن رغم ذلك ثمة شعراء، ليسوا شبابا فقط كما تقول بل ستجد بينهم آخرين مكرّسين أيضا، يبحثون عن نقاد او شعراء يقدمون لتجاربهم. شخصيا كان عندي رغبة عارمة هذه المرّة في الاحتفال بمولودي الرابع ليليت، لذلك فكّرتُ في تنظيم حفل توقيع، ورافقتني في الاحتفاء بولادة هذه المرأة الاستثنائية اسماء استثنائية بدورها كالتي ذكرتها للتو، فضلا عن حضور حشد كبير من الأصدقاء، شعراء وروائيين ومثقفين وإعلاميين. كانت مناسبة جميلة للالتقاء حول ليليت وبها، وكانت ليليت بدورها تستحق استقبالا به













