نحن لا نكتب كتاباً من أجل أحد , بل ضده.

كتبهاالدرناوية ، في 1 ديسمبر 2008 الساعة: 13:19 م

جزء من رواية  عابر سريرللكاتبة احلام مُستغانمي

 

508ima

في حرب “الرؤوس الكبيرة” التي بسقوطها يسقط وطن في مطب التاريخ, وتلك الصغيرة التي يلزم منها الكثير لتصنع خبراً في جريدة, وتلك النكرة التي لن يسمع بقطافها أحد, لا تستطيع إلا أن تتحسس رأسك, حتى وأنت أمام واجهة جزار في باريس. وتحزن من أجل القرنفل البلدي, الذي كان يتفتح في طفولتك, باقات من القرنفلات الصغيرة, بذلك الشذى الذي ما عدت تشتمه في الورود, مذ قصفت أعمارها إكراماً لقصابي العالم المتحضر.

في مدينة كان هنري ميلر يتجول فيها جائعاً, وفي حالة انتصاب,متنقلاً وسط حدائق” , التويلري” غير مبصر سوى أجساد نسائية من رخام, عساها تغادر عريها الرخامي وترافقه إلى فندق تشرده, لم أكن أنا سوى الرؤوس المعلقة في أي مكان, لأي سبب كان.

حتى مومسات (بيغال) المنتشرات على أرصفة الليل, في هيئة لا يصمد أمام غواية التلصص على عريهن رجل, لم أستطع وأنا أعبر شارعهن أن أقيم مع أجسادهن العارية تحت معاطف الفرو, أية علاقة فضول. فقد كن يذكرنني بمشهد آخر تناقلت تفاصيله الصحافة العالمية لمومسات البؤس العربي. مشهد لو رآه زوربا لأجهش راقصاً, لنساء علقت رؤوسهن على أبواب بيوتهن البائسة في مدينة عربية, لا تخرج من حرب إلا لتبتكر لرجالها أخرى. وريثما يكبر الجيل الآتي من الشهداء, كانت تفرغ البيوت من رجالها, ومن أثاثها, ومن لقمة عيشها, لتسكنها أرامل الحروب وأيتامها.

لكن لا تهتم , زوربا.. يا صديق الأرامل لا تحزن. الجميلات الصغيرات لا يترملن. إنهن يزين قصور سادة الحروب العربية. وحدهن البائسات الفقيرات يمتن غسلاً لشرف الوطن, كما مات أزواجهن فداءً له. وبإمكان رؤوسهن الخمسين التي قطعت بمباركة ماجدات فاضلات يمثلن الاتحاد النسائي, بإمكانها أن تبقى معلقة على الأبواب يوماً كاملاً تأكيداً لطهارة اليد التي قطعتها, كي يعتبر بها الفقراء الذين جازفوا بقبول مذلة ” المتعة مقابل الغذاء”, وتجرأوا على تمني شيئاً آخر في هذه الدنيا غير إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلاد القائد.

يخطئ من يعتقد أننا عندما ندخل مدناً جديدة نترك ذاكرتنا في المطار. كلً حيث يذهب, يقصد مدينة محملاً بأخرى, ويقيم مع آخرين في مدن لا يتقاسمها بالضرورة معهم, ويتجول في خراب وحده يراه.

” وما دمت خربت بيتك في هذا الركن الصغير من العالم فسيلاحقك الخراب أينما حللت”. ولكنك لم تكن قد سمعت بعد بقول ذلك الشاعر, ولا كنت تظن أن حقيبتك محملة بهذا الكم من الجماجم. و إلا ما كنت سافرت.

فاكتب إذن, أنت الذي مازلت لا تدري بعد إن كانت الكتابة فعل تستر أم فعل انفضاح, إذا كانت فعل قتل أو فعل انبعاث.

تتمنى لو أطلقت النار على كل الطغاة بجملة, لكن من تنازل أيها الكاتب بقلم, في نزال كل غرمائك فيه يتربعون على عروش من الجماجم.

 

كان عليك قبل أن تهجم على الأوراق أن تختار كلماتك بعناية ملاكم , أن تصوب ضرباتك إلى القتلة, بأدنى قدر ممكن من المجازفة. أن تكتسب تلك الموهبة. موهبة كتابة كتب غيبية, تسعى إلى سلامة صاحبها وراءته, غير معني بما تسببه رواية رديئة من أضرار, ولا جبن كاتب لا يمكن لقارئ أن يأتمنه على حياته أو يوصيه ثأراً لدمه.

من تكون.. لتحاول الثأر لكل الدم العربي بكتاب. وحده الحبر شبهة أيها الجالس على الشبهات. أكتب لتنظيف مرآبك من خردة العمر, كما ينظف محارب سلاحاً قديماً.

مازال للقتلة متسع من الجاه.ولا وقت لك إلا ساعته, تدق بعده في معصمك.. تمد يدك بما يلزمها من القوة للكتابة.

وبرغم هذا, قد لا تجد الشجاعة لتقص عليه ما حل بتلك اللوحة!

 

بعد يومين من إقامتي عند فرانسواز, هاتفت مراد حتى لا يقيم الدنيا ويقعدها بحثاً عني في باريس, يعد أن تركت الفندق دون إخباره بذلك.

تحاشيت طبعاً إعطاءه تفاصيل عن إقامتي الجديدة. واقترحت عليه أن نلتقي في اليوم التالي.

لكنه فاجأني بذلك الخبر الذي ما توقعته أبداً حين قال لي معتذراً:

انتهى الحب. وها أنا أرتعد عارياً كجذع شجرة جرداء.

- لن أستطيع أن أراك غداً. سأكون مشغولاً بانتظار ناصر عبد المولى. سيحضر من ألمانيا للإقامة عندي بعض الوقت.. لكن إن شئت سنلتقي جميعاً بعد غد.

سألته غير مصدق:

- أي ناصر؟

- ناصر.. ابن الشهيد الطاهر عبد المولى. أنت تدري أنه يقيم منذ سنتين في ألمانيا بعد أن اتهم بانتمائه لجماعة إسلامية مسلحة. حصل على حق اللجوء السياسي هناك. لكن ليس بإمكانه طبعاً العودة إلى الجزائر ولذا سيحضر إلى باريس للقاء والدته التي لم يرها منذ سنتين. التقيت به مطولاً في ألمانيا.. واتفقنا أن يبرمج مجيئه إلى باريس عند استئجاري شقة كي يتمكن من الإقامة عندي, فهو لأسباب أمنية يفضل عدم الإقامة في الفندق.

وهكذا كان مراد يزف لي خبرين: خبر مجيء ناصر, وحتمية مجيء أخته رفقة والدتها. فلم يكن من المعقول أن تأتي والدته بمفردها إلى باريس.

أذهلتني صاعقة المفاجأة.

 

أحقاً ستأتي تلك المرأة التي ما كان في مفكرة حياتي موعد معها؟

ستأتي , بعدما لفرط انتظارها ما عدت أنتظر مجيئها.

سنتان من الانقطاع, تمددت فيهما جثة الوقت بيننا, وجوارها شيء شبيه بجثتي, فقد أحببتها لحظة دوار عشقي كمن يقفز في الفراغ دون أن يفتح مظلة الهبوط, ثم.. تركتها كما أحببتها, كما يلقي يائس بنفسه من جسر بدون النظر إلى أسفل. أما كنت ابن قسنطينة حيث الجسور طريقة حياة وطريقة موت.. وحب!

تلك التي لم يتخل عنها يوماً رجل,تخليت عنها, خشية أن تتخلى هي عني. كأنني القائل ” رب هجر قد كان من خوف هجر\ وفراق قد كان خوف فراق”.

أكثر إيلاماً من التخلي نفسه, خوفي الدائم من تخليها عني.

 

عكس العشاق الذين يستميتون دفاعاً عن مواقعهم ومكاسبهم العاطفية, عندما أغار أنسحب, وأترك لمن أحب فرصة اختياري من جديد.

كنت رجل الخسارات الاختيارية بامتياز. ما كان لي أن أتقبل فكرة أن تهجرني امرأة إلى رجل آخر.

أنا الذي لم أتقبل فكرة أن يكون أحد قد سبقني إليها. كيف لي أن أطمئن إلى امرأة تزرع داخلي مع كل كلمة حقولاً من الشك.

أذكر يوم سألتني لأول مرة إن كنت أحبها, أجبتها:

- لا أدري.. ما أدريه أنني أخافك.

في الواقع كنت أخاف التيه الذي سيلي حبها, فمثلها لا يمكن لرجل أن يحب بعدها دون أن يقاصص نفسه بها.

يومها, فكرت أنني لا يمكن أن أواجه الخوف منها إلا بالإجهاز عليها هجراً. وكان ثمة احتمال آخر: اعتماد طريقتها في القتل الرحيم داخل كتاب جميل. فقد حدث أن أهدتني ما يغري بالكتابة. أشياء انتقتها بحرص أم على اختيار اللوازم المدرسية لطفلها يوم دخوله الأول إلى المدرسة.

وكنت بعد موت عبد الحق بأسبوعين, صادفتها في مكتبة في قسنطينة تشتري ظروفاً وطوابع بريدية لتبعث رسالة إلى ناصر في ألمانيا. كانت تمسك بيدها دفتراً أسود, قالت مازحة إنها اشترته لأنه تحرش بها. سألتني فجأة:

- إن أهدينك إياه, هل ستكتب شيئاً جميلاً؟

قلت:

- لا أظنني سأفعل.. ستحتاجين إليه أكثر مني.

لم تعر جوابي اهتماماً, توجهت إلى البائع تطلب منه عدة أقلام سيالة من نوع معين. قالت وهي تمدني بها ” أريد منك كتاباً” كما لو قالت ” أريد منك طفلاً”. فهل كانت تريد أن تستبقيني بكتاب, كما تستبقي امرأة زوجاً بطفل؟ أم كانت تهيئني للفراق الطويل؟

سألتها متوجساً مراوغة ما:

- ما مناسبة هذه الهدية؟

ردت مازحة:

- بإمكاننا متى شئنا أن نخترع مناسبة . سأفترض أنه عيد ميلادك.. إني ألدك متى شئت من المرات.

كانت الأمومة خدعتها الجميلة, كخدعة أبوتي لها.

أمدتني بالدفتر وقالت:

- Bon anniverssaire!

لم يكن بإمكانها أن تقول هذه الأمنية إلا بالفرنسية أو بالفصحى.. فليس في اللهجة الجزائرية صيغة ولا تعبير بإمكانك أن تتمنى به لأحد عيد ميلاد سعيداً. بينما تفيض هذه اللهجة بمفردات التعازي والمواساة.!

ضحكت للفكرة. وجدتها تصلح بداية لكتاب يشرع جزائري في كتابته يوم عيد ميلاده. لكنني لك أكتب شيئاً على ذلك الدفتر الذي أهدتني إياه, والذي نسيت أمره عندما ذهبت للإقامة في ” مازافران”. ولم أعثر عليه إلا منذ مدة قريبة, والأصح أنني أنا الذي بحثت عنه.

لتكتب, لا يكفي أن يهديك أحد دفتراً وأقلاماً, بل لا بد أن يؤذيك أحد إلى حد الكتابة. وماكنت لأستطيع كتابة هذا الكتاب, لولا أنها زودتني بالحقد اللازم للكتابة. فنحن لا نكتب كتاباً من أجل أحد , بل ضده.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : روايات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “نحن لا نكتب كتاباً من أجل أحد , بل ضده.”

  1. مدونة جميلة السيدة الدرناوية…على فكرة احب مدينة درنة لان اعمامى يعشون بها واخى كدلك بلتوفيق

  2. اهلا بك يا علاء وشكرا على الاعجاب

  3. كل عام والجميع بصحة وخير….وعيد مبارك ..يعمره البهجة والسرور والصحة ابن ليبياالمغترب

  4. المبدعة علياء كل عام وأنت بألف خير لقد زرت مدونتك الجميلة وشدتني كتاباتك الجميلة اتمنى لك التوفيق في رحلة الكتابة الأبداعية وادعوك لزيارة مدونتي الخاصة والاطلاع على ما اكتب فيها . لك تحياتي العطرة

  5. لعله من حسن طالعي أن أفتح بريدي هذا الصباح واستلم دعوة كريمة من أخت رائعة افتقدت كتاباتها المميزة منذ فترة من الزمن … مدونة جميلة تحوي موضوعات شائقة … أعدك أن أضمها لمفضلتي وأدمن التسكع عبر فضاءاتها …تحية ود . ومزيدا من االتألق والإبداع الحقيقي ..

  6. ميررررررررسي عوض على سرعة الاستجابة..الله يخليك..شكرا

  7. مدونة راءعة والأروع أنا تحمل بصمات أدبية وفكرية في غاية الإبداع .. اتمنى لك التوفيق ومزيدا من الإبداع الأدبي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر